عالم الإنسان في الصحة النفسية

 



الاتفاق الزوجي: أساس العلاقة الصحية والمستقرة


قبل أيام قليلة، جاءني زوجان إلى المركز هنا في مراكش. الزوجة كانت تحمل ورقة صغيرة كتبت عليها بخط يدها "قوانين بيتنا" والزوج كان يبتسم ويقول لم نتفق يوما على أي شيء مكتوب. قالت لي الزوجة نحن نحب بعضنا كثيرا لكننا نتشاجر كل يوم على أوقات الأكل والنوم ومصروف البيت وتربية الأطفال. هذه الجملة أسمعها بشكل متكرر جدا في عملي. كثير من الأزواج يعتقد أن الحب يكفي لاستمرار الزواج، لكن الحقيقة التي أراها كل يوم أن الحب بدون اتفاق واضح يشبه سيارة بدون خريطة، قد تمشي لكنها ستضيع في أول مفترق طرق.


أول اتفاق يحمي بيتك هو اتفاق الوقت المشترك بدون هواتف. اليوم أغلب البيوت كل شخص فيها يعيش في عالمه مع هاتفه. الزوج في الصالون يشاهد المباراة والزوجة في المطبخ مع الهاتف والأطفال كل واحد في غرفته مع جهازه. مع الوقت يصبح البيت فندقا وليس أسرة. الحل بسيط جدا، اتفقوا من اليوم على نصف ساعة فقط تجلسون فيها معا كل يوم. هذا الوقت يمكن أن يكون وقت تناول العشاء بدون أي هاتف على الطاولة، أو المشي لمدة عشرين دقيقة بعد صلاة المغرب في الحي، أو مشاهدة فيلم تحبونه معا في نهاية الأسبوع. هذه الدقائق القليلة ليست وقتا ضائعا، بل هي شحن يومي لبطارية الحب. عندما تجلسون معا بدون تشتيت، سيعود الكلام الطبيعي بينكم وستعرفون أخبار بعضكم الحقيقية وليس فقط أخبار المصاريف.


الاتفاق الثاني وهو الأهم هو كيف نتشاجر باحترام. كل البيوت تتشاجر وهذا طبيعي جدا، لكن البيوت الناجحة هي التي اتفقت مسبقا على طريقة الشجار. أنصح كل زوجين أن يجلسا بهدوء ويكتبا ثلاثة قوانين لا يمكن كسرها أبدا وقت الغضب. القانون الأول ممنوع الصراخ والسب والإهانة مهما كان السبب. القانون الثاني ممنوع إدخال الأهل والأقارب في كل خلاف صغير بيننا. القانون الثالث ممنوع أن ننام ونحن متخاصمان حتى لو اضطررنا أن نسهر نحل المشكلة. كثير من الكلمات الجارحة قيلت في لحظة غضب وبقي أثرها في القلب لسنوات طويلة. تعلموا أن تقولوا أنا أشعر بالضيق لأنك تأخرت بدل أن تقولوا أنت لا تهتم بي أبدا. الجملة الأولى تفتح باب الحوار والجملة الثانية تفتح باب الحرب.


الاتفاق الثالث هو اتفاق المرونة والتسامح. الحياة اليومية مليئة بالظروف الطارئة وضغوط العمل المفاجئة. اتفقتم على الخروج يوم السبت وجاء اتصال من العمل يطلب حضوركم؟ هنا يظهر معدن العلاقة. العلاقة القوية ليست التي لا تتغير خططها أبدا، بل هي التي يتفهم فيها الطرفان بعضهما. إذا حدث ظرف طارئ، أجل الموعد بهدوء وبدون عتاب جارح أو تذكير بالماضي. التسامح في المواعيد الصغيرة يمنع تراكم الغضب الذي يدمر الكثير من البيوت بسبب أمور تافهة كان يمكن حلها بكلمة طيبة. المرونة دليل على النضج وليس دليل على الضعف.


الاتفاق الرابع هو اتفاق المال وتربية الأبناء. حسب ما أراه في الاستشارات، أكثر سببين للطلاق في عالمنا العربي هما المال وطريقة تربية الأولاد. لذلك يجب أن يكون هناك وضوح تام. اجلسوا واتفقوا كم هو مصروف البيت الشهري؟ كم سندخر للمستقبل؟ هل لدينا ديون وكيف سنسددها؟ الوضوح المالي يمنع ثمانين بالمئة من المشاكل. وكذلك اتفقوا على طريقة واحدة في تربية أبنائكم. لا يمكن أن يقول الأب نعم لشيء وتقول الأم لا لنفس الشيء أمام الطفل. هذا التناقض يجعل الطفل محتارا ويفقد احترامه لكما معا. اتفقوا على قواعد موحدة للنوم والدراسة والهاتف.


كيف نطبق كل هذه الاتفاقات عمليا؟ الكلام النظري سهل لكن التطبيق هو الذي يصنع الفرق. أنصحكم بفكرة بسيطة جربتها مع مئات الأزواج وكانت ناجحة. خصصوا دفترا صغيرا أو ملاحظة في الهاتف وسموها دفتر اتفاقاتنا. اجلسوا لمدة نصف ساعة فقط مرة كل شهر، وليس كل يوم، وراجعوا فيها اتفاقاتكم. اسألوا بعضكم ما الذي نجحنا فيه هذا الشهر؟ ما الذي لم نستطع الالتزام به؟ ما الذي نحتاج أن نغيره؟ لا تجعلوا هذه الجلسة محاكمة، بل اجعلوها جلسة حب وتطوير لفريقكم. اتفقوا أن تكون كلمات مثل شكرا وآسف والله يعطيك العافية كلمات إجبارية كل يوم. هذه الكلمات الصغيرة تصنع معجزات كبيرة في القلوب وتحافظ على المودة والرحمة.


في الأخير، أريد أن أقول لكم أن البيت الذي فيه اتفاق واضح هو بيت يشعر فيه الأطفال بالأمان النفسي لأنهم يرون أبويهم فريقا واحدا وليس خصمين في حلبة مصارعة. جربوا هذا الأسبوع اتفاقا واحدا فقط من هذه الاتفاقات، مثلا اتفاق العشاء بدون هواتف، وستلاحظون الفرق الكبير في جو البيت. الزواج ليس تقييدا للحرية كما يظن البعض، بل هو حماية للحب وضمان لاستمراره لسنوات طويلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يؤثر الحوار اليومي بين الزوجين على الاستقرار النفسي داخل الأسرة

أسرار السعادة الزوجية: كيف تبني علاقة لا تهزمها ضغوط الحياة

الراحة الأسرية في زمن الضغوط: 7 خطوات علمية لبيت هادئ وسعيد